المدينة الكبرى للعلوم

المدينة الكبرى للعلوم

اسلاميات وعلوم


    السيرة بين الطرح الادبي والمنهج العلمي

    شاطر
    avatar
    الجعفري
    المدير العام
    المدير العام


    عدد المساهمات : 1273
    تاريخ التسجيل : 03/11/2008

    السيرة بين الطرح الادبي والمنهج العلمي

    مُساهمة من طرف الجعفري في الخميس 11 ديسمبر 2008, 11:55

    السيرة النبوية بين الطرح الأدبي والمنهج العلمي
    بقلم :
    محمد مسعد ياقوت**


    شَاركْتُ في المؤتمر الثاني الذي عَقدته منظمة النصرة العالمية هذا العام (نوفمبر 2008) بدولة الكويت – حرسها الله – وكانت فعاليات المؤتمر حول إعادة قراءة السيرة النبوية قراءة سهلة وعصرية تتفق وعقليات الغربيين الذين نستهدفهم لتعريف الإسلام لهم؛ وكانت مُشاركتي حول الطَّرحِ الأدبي للسيرة النبوية، وكيف أن الأطروحات الأدبيةَ في السيرة النبوية في أغلبها من نصيب أرباب القلم العِلماني أو سدنة الفكر المنحرف بشكل عام.
    وقلتُ: إن الطرح الأدبي للسيرة النبوية يغطّي شريحةً ما من النُخبِ، كما أن الطرح العلمي يغطي شريحة أخرى، الأولى لها ميول أدبية وفنية والثانية لها ميول بحثية. والطريقتان مهمتان في خُطتنا لنشر السيرة النبوية في العالم الغربي.
    بيد أن الطرح الأدبي؛ يمتاز باستجاشة القلوب، وتحريك المشاعر، واستمالة العواطف. ففي النص الأدبي تدمع العيون، وتخشع القلوب، وتلذ النفوس، ويتذوقُ القارئ الكلمةَ الحلوة، والنظم المسبوك، والديباجة الكريمة. وإن من البيان لسحرًا . وقديمًا تعلمنا في تراث الأدب أن النص الأدبي أبقى وأخلد من النص غير الأدبي، ألا ترى العرب لم يَبقَ من لسانهم شيئًا سوى أطايب الشعر والنثر التي نُقلت عنهم ؟ بل ترى الله – عزَّ وجل – لم يسلك إلا الطريقة البيانية لتبليغ دينه لبني البشر، وذلك عبر الجملة المسجوعة، والنص البليغ، والآية المحكمة، والسورة المتُحدى بها في إعجازها العلمي والبياني. انظر لـمَّا أراد أن يقصَ لنا قصة للعبرة، كيف طرحها، وكيف جمّلها، واختار أجمل الكلم، وأعظم النظم، وأحسن القصص، انظر كيف قص علينا قصة أصحاب الجنة في سورة القلم، فقال فيها:
    إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [القلم/17-29] .
    هكذا الأسلوب، وَرَدَ مشتملاً على أنفَسِ كلام راقٍ في نظامه، وأحسن زهرٍ تطلع من كمامه.
    هكذا كانت طريقة الله- جل في علاه - لما قص القصص؛ أسلوب بليغ، وطرح بديع، وكلمٌ وفصيح، ومعنىً صريح، فيه مِن التشويق ما فيه، وفيه من الإثارة ما فيه، فضلاً عن الحكمة الظاهرة، والعِبرة البينة، والموعظة التي تنطلق من ثنايا الآيات تترا.
    ***
    ومن الملاحظ أن طريقة القرآن في طرح القصص هي طريقة الإيجاز والاختصار مع تبليغ الغرض وتحقيق الهدف، وينبغي أن يكون لنا الأسوة في ذلك إذا أردنا أن نطرح القصص التربوية أو أحداث السيرة على الأخص. ومن هنا أرى أهمية طرح أحداث السيرة على هيئة مواقف قصصية، كل قصة تكون مستقلة بذاتها، بحيث تصلح أن تكون درسًا تربويًا بحد ذاته، وهذا يحتاج إلى جهد أكبر من الكاتب والباحث، فما أسهل أن يسرد الأحداث سردًا!
    إن الموقف من السيرة، أو القصة النبوية؛ إذا ما كانت خارجة عن الحد في الطول أدت إلى الملل والاضجار، والنفور والإعراض عن السيرة استثقالاً لأسلوب العرض. ألا ترى أسلوب الأدباء العالميين في طرح السير الذاتية؟ ترى طريقتهم جارية على الطبع، ذاهبة بين الجزالة والحلاوة ! فأحرى بنا أن نسلك الطريقة الأجزل والأحلى في تعريف الناس بسيرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم -.
    ***
    والأمثلة كثيرة في الطرح القرآني للقصص البليغة، والمواقف العظيمة، وهذه الورقة لا تتسع لذكرها، وحسبك أن تفتح كتاب الله، فتنظر إلى قصص الأنبياء والمصلحين وطريقة القرآن في عرضها.
    ***
    أما نحن؛ لما أردنا طرح شرعتنا وديننا وسيرة نبينا – صلى الله عليه وسلم – فلم يكن طرحنا بالمستوى اللائق لديننا، وانظر إلى ما كُتب عن النبي – صلى الله عليه وسلم – بأقلام عربية، وحدّث ولا حرج عن مِدادٍ يَعْدلُ بحرًا؛ سال ركاكةً على الأوراق والقراطيس، وانتفخت كُتب السيرة والتاريخ بالإسرائيليات والخرافات والمناكير، هذا في القديم، أما في عصرنا؛ فرأينا التفسير " الأهوائي " لأحداث السيرة، والتأويلات والاستنتاجات الواهية، والاجتهادات والأحكام الفاسدة، والتنظيرات الحركية الخاطئة، والشطحات الأدبية الباطلة، ومثال ذلك؛ الطرح الذي يعرض حوارًا نفسيًا يدّعي الكاتبُ أنه دار في خلد النبي – صلى الله عليه وسلم – وليس له على ذلك من دليل ولا برهان اللهم إلا الظن وبغية الحشو، ورغبة التأليف والنشر. ألسنا في احتياج لوقفة؟
    ***
    بلى، نحن في احتياج لطرح جديد في السيرة النبوية يجمع بين أصالة القديم ورونق الحديث، يجمع بين المنهج العلمي والقلم الأدبي، ويجتمع في الموقف الواحد من مواقف السيرة؛ تمحيص الباحث المحقق المدقق وأسلوب الأديب المفلق المبدع. نريد أن نجمع حسنات السلف والخلف، والنتاج القديم والحديث في كتابات السيرة النبوية، ونستفيد من خبرة كل مَن كتبوا وبحثوا في سيرة خير البرية – صلى الله عليه وسلم -، وهذه الاستفادة تتم في إطار مؤسسة تُعنى بدراسة السيرة النبوية، تخرج منها أعمال السيرة الأدبية والبحثية، والتحليلية والموضوعية، العربية والأجنبية. وأقول:"مؤسسة" .. لأن واقع الدعوة، وطبيعة الهجمة التي تستهدف شخص رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يجعلان العمل الجماعي في إنتاج أعمال السيرة ضرورة وفريضة!
    نحتاج إلى أعمال بحثية مخدومة، متمخضة عن فريق عمل مخدوم، في إطار عمل مؤسسي مدعوم، ومنهجية واضحة، وأسلوبية جادة، ولله الحمد رأينا مشاريع مضيئة، ونماذج مُحفّذة، فأبشرْ يا قارئي ! ومثال على هذه المشاريع كتاب " هذا رسول الله " ذلك العمل العلمي الجاد الذي أنتجته منظمة النصرة العالمية، وتستطيع أن تسمي هذا الكتاب كتابٌ جماعي، من إنتاج فريق عمل واعٍ في إطار مؤسسة متخصصة في التعريف بالإسلام والدفاع عن سيد الأنام – صلى الله عليه وسلم - .
    ***
    يا سادة، نحتاج إلى طرح جديد، راقٍ، يركز على القيم الحضارية في السيرة النبوية، فضلاً عن الدروس التربوية، والتحليلات الفكرية، واللمحات الإنسانية، إضافة إلى التوصيات العملية، شريطة أن يكون ذلك كله مكتوباً بقلم يجمع بين المنهجين العلمي والأدبي.
    __________
    ** باحث وأديب مصري، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
    -
    المصدر : موقع رسالة الإسلام

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 21 نوفمبر 2017, 15:46